إخوان الصفاء

24

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

من طلب غذائها ومصالحها ومنافعها والهرب من عدوها وعرفانها ذكرانها وإناثها وأبناء جنسها . فأما احساسها بأحوال حيوان البر ومعرفتها بأمورها ، فليس لها إلى معرفة ذلك إلّا شيء يسير . وهكذا علم حيوان البر بأحوال البشر ومعرفتها بأمور الناس ، فليس لها إلّا شيء يسير . وهكذا علم البشر بأحوال الملائكة ، ومعرفتهم بأمور الذين في فضاء الأفلاك وطبقات السماوات ، فليس لهم بها علم إلّا شيء يسير . وهكذا أحوال الملائكة في مراتبها ومقاماتها متفاوتة متباينة ، الأوّل فالأوّل ، والأشرف فالأشرف ، وفوق كل ذي علم عليم ، وإلى ربك المنتهى كما أخبر ، عزّ وجل ، عن أحوال الملائكة في مراتبها ومقاماتها فقال تعالى : « قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ » ، وقال في حكاية عن الملائكة : « وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » وقال : « ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » يعني أجناس الملائكة وقبائل الجن والإنس والحيوانات أجمع . ثم اعلم أن علم جميع الخلائق بالنسبة إلى علم اللّه تعالى ليس إلّا كالجزء اليسير ، كما قال تعالى : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ » يعني علم اللّه ، قال : « وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » . ونحن قد جعلنا هذه الرسالة تنبيها لإخواننا على نهاية مبلغ طاقة الإنسان في العلوم والمعارف ، وتوبيخا لأقوام جهّال يعارضون العلماء بالكلام والجدال ، ويسألونهم عن علل أشياء ليس في طاقة الإنسان معرفتها ، وهم قد تركوا البحث عن أشياء واجب عليهم تعلّمها والبحث عنها ، ثم لا يسألون عنها ولا يتفكرون فيها لجهلهم .